متابعة : رشيد النهيري
في الوقت الذي تتحدث فيه الدولة عن العدالة المجالية وفك العزلة عن العالم القروي وتحقيق التنمية المستدامة، ما تزال ساكنة جماعتي البرارحة وكاف الغار بإقليم تازة تعيش على وقع معاناة يومية بسبب الوضع الكارثي لقنطرة “طوايط” الواقعة على الطريق الإقليمية رقم 5404، والتي تعتبر الممر الرئيسي والوحيد الذي يربط الساكنة بمحيطها الاقتصادي والاجتماعي والإداري.
هذه القنطرة التي أنجزت بأموال عمومية كان يفترض أن تخدم المواطنين لعقود طويلة، جرفتها السيول والأمطار منذ سنة 2008، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول جودة الأشغال والمعايير التقنية التي اعتمدت في إنجاز هذا المشروع ومنذ ذلك التاريخ، أي لما يقارب ثمانية عشر عاماً، لا تزال الساكنة تنتظر حلاً حقيقياً يعيد لها حقها المشروع في التنقل الآمن والعيش الكريم.
لقد استنفدت الساكنة وممثلوها المنتخبون والجمعيات المدنية والحقوقية مختلف القنوات المؤسساتية والقانونية لإيصال صوتهم إلى الجهات المعنية، فقد تم تسليم رسالة في الموضوع إلى وزير التجهيز السابق السيد عبد القادر اعمارة، كما سبق أن تسلم الوزير السابق عزيز رباح ملفاً كاملاً حول القضية بشكل مباشر خلال لقاء رسمي بمقر عمالة تازة، كما تم تناول هذا الملف إعلامياً عبر القناة الثانية، وجرى طرح سؤال شفوي تحت قبة البرلمان، إضافة إلى عشرات المراسلات والملتمسات الموجهة إلى وزارة التجهيز وعمالة إقليم تازة والجهات المختصة.
ورغم كل هذه الخطوات والمبادرات، ظل الجواب الوحيد الذي تتلقاه الساكنة هو أن “الملف في طور الدراسة”، وكأن معاناة المواطنين يمكن أن تبقى رهينة الدراسات إلى ما لا نهاية، بينما تتكرر مشاهد العزلة والخطر كلما حل موسم الأمطار.
إن استمرار هذا الوضع لأزيد من عقد ونصف لا يمكن اعتباره مجرد تأخر إداري أو تقني، بل يعكس فشلاً واضحاً في تدبير هذا الملف واستهتاراً بحقوق الساكنة في البنية التحتية الأساسية، كما يثير تساؤلات مشروعة حول مصير الأموال العمومية التي صرفت في مشروع لم يصمد أمام أولى الاختبارات الطبيعية، وحول الجهات التي أشرفت على إنجازه وتتبع تنفيذه.
ومن هذا المنطلق، تطالب الجمعيات الحقوقية والمدنية السيد عامل إقليم تازة بالتدخل العاجل والقيام بزيارة ميدانية إلى هذا المقطع الطرقي للوقوف على حجم المعاناة التي تعيشها الساكنة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتعجيل بإعادة بناء القنطرة وفق معايير هندسية وتقنية تضمن سلامة المواطنين واستمرارية المرفق العمومي.
كما تطالب وزارة التجهيز والماء بفتح تحقيق إداري وتقني شفاف ونزيه حول ظروف إنجاز المشروع الأصلي، وتحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية والإدارية المترتبة عن كل تقصير أو تبديد محتمل للمال العام، احتراماً لمبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة المنصوص عليها دستورياً.
إن ساكنة كاف الغار والبرارحة لا تطلب امتيازات خاصة، بل تطالب بحقوق دستورية مشروعة في التنقل والتنمية والكرامة، كما أن استمرار تجاهل هذا الملف يزيد من شعور المواطنين بالحيف والتهميش والحكرة، ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي تصريح للفعاليات الجمعوية والحقوقية بالمنطقة، أكدت أن ملف قنطرة “طوايط” لم يعد يحتمل مزيداً من الوعود أو التسويف الإداري، بعدما تحولت معاناة الساكنة إلى واقع يومي يمتد لأكثر من ثمانية عشر عاماً دون أي حل جذري، وأضافت أن المواطنين فقدوا الثقة في كثرة الدراسات والوعود التي لم تنتج سوى المزيد من العزلة والتهميش، مشددة على أن المطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة الكلام إلى مرحلة الإنجاز الفعلي على أرض الواقع كما دعت الفعاليات السيد عامل إقليم تازة ووزارة التجهيز والماء إلى تحمل مسؤولياتهما القانونية والأخلاقية والتدخل الاستعجالي قبل حلول موسم الأمطار، حمايةً لحقوق المواطنين في التنقل والتعليم والتطبيب والعيش الكريم، وأكدت أن الساكنة لن تقبل بعد اليوم أن تبقى رهينة العزلة كلما تساقطت الأمطار، معتبرة أن إنصاف المنطقة ورد الاعتبار لسكانها أصبح واجباً تنموياً وحقوقياً مستعجلاً لا يحتمل أي تأخير، وأن كرامة المواطن القروي لا يجب أن تبقى ضحية الإهمال وسوء تدبير المشاريع العمومية.
