متابعة: عبد الرحيم المفتاحي
لا يكاد يمر يوم بإقليم تاونات، وخاصة بالجماعات الترابية المجاورة لوادي ورغة، دون أن يحتل مشروع سد باب وندر صدارة النقاشات بين المواطنين والفعاليات المدنية والمنتخبين المحليين، فبينما يندرج المشروع ضمن الاستراتيجية الوطنية الرامية إلى تعزيز الأمن المائي وتدبير الموارد المائية بشكل مستدام، تعيش الساكنة المحلية حالة من القلق والترقب بسبب غياب المعطيات الدقيقة والوضوح الكافي حول انعكاسات المشروع المحتملة على حياتها وممتلكاتها ومستقبل أبنائها.
لقد أظهرت التساقطات المطرية الاستثنائية التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة أهمية البنيات التحتية المائية في مواجهة مخاطر الفيضانات وحماية الأرواح والممتلكات، كما عاين المغاربة حجم الخسائر البشرية والمادية التي خلفتها الفيضانات بعدد من المناطق، خاصة بجهات الغرب والشمال الغربي، الأمر الذي عزز القناعة بضرورة الاستثمار في مشاريع السدود والمنشآت المائية باعتبارها رافعة للتنمية وأداة لحماية الأمن المائي الوطني.
غير أن نجاح هذه المشاريع الكبرى لا يقاس فقط بأهدافها التقنية والهندسية، بل كذلك بمدى احترامها للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للساكنة المعنية، وبقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحقوق المواطنين.
وفي هذا السياق، أثارت عملية جمع المعطيات الميدانية التي باشرها مكتب الدراسات المكلف بإنجاز دراسة الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية لمشروع سد باب وندر العديد من التساؤلات لدى الساكنة، فقد عبر عدد من المواطنين عن استيائهم من غياب توضيحات كافية حول طبيعة الدراسة وأهدافها، وعدم التعريف بأعضاء اللجنة المكلفة بها، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بالمعطيات الشخصية التي يتم جمعها ومدى ارتباطها بمصير الأراضي والممتلكات.
وفي ظل تزايد التساؤلات والمخاوف التي عبرت عنها الساكنة، بادرت السلطات المحلية بقيادة بني وليد، خلال الأسابيع الأخيرة، إلى عقد لقاء تواصلي جمع ممثلي الساكنة وفعاليات المجتمع المدني والمنتخبين المحليين، في خطوة إيجابية هدفت إلى توضيح عدد من المعطيات المرتبطة بالمشروع وتبديد حالة الغموض السائدة. وخلال هذا اللقاء، تم التأكيد على أن الأشغال الجارية تقتصر حالياً على دراسة الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية للمشروع، ولا تشكل بأي حال من الأحوال إحصاءً رسمياً للسكان أو الممتلكات المتأثرة، كما أوضحت السلطات أن المجال الترابي النهائي الذي قد يشمله المشروع لم يتم تحديده بعد، وأن أي عملية رسمية لإحصاء الممتلكات أو تحديد المتضررين المحتملين ستتم مستقبلاً وفق الضوابط القانونية الجاري بها العمل وتحت إشراف الجهات المختصة؟، غير أن هذه التوضيحات، رغم أهميتها، لم تبدد جميع الهواجس المطروحة، إذ ما تزال الساكنة تنتظر أجوبة أكثر دقة ووضوحاً بشأن مجموعة من القضايا المرتبطة بمستقبل المنطقة، وحدود تأثير المشروع، ومآل الممتلكات والأراضي، والضمانات القانونية والاجتماعية الكفيلة بحماية حقوق الأسر المعنية وصون استقرارها.
إن ساكنة بني وليد لا تعارض المشاريع التنموية أو الاستثمارات الاستراتيجية التي تخدم المصلحة العامة، بل تؤمن بأهميتها في تحقيق التنمية وتعزيز الأمن المائي، غير أنها تتمسك بحقها المشروع في الحصول على المعلومة الدقيقة والشفافة حول كل ما قد يؤثر على أراضيها وممتلكاتها ومستقبل أبنائها. فنجاح أي مشروع بهذا الحجم لا يرتبط فقط بأبعاده التقنية والهندسية، بل أيضاً بمدى احترامه لحقوق المواطنين وإشراكهم الفعلي في مختلف مراحل الإعداد واتخاذ القرار، باعتبارهم شركاء أساسيين لا مجرد معنيين بنتائجه، لذلك يظل التواصل الواضح والمسؤول مع الساكنة، والاستماع إلى انشغالاتها وتقديم الضمانات القانونية والاجتماعية اللازمة، مدخلاً أساسياً لبناء الثقة وتكريس مبادئ الحكامة الجيدة والتنمية التشاركية التي تجعل الإنسان في صلب كل مشروع تنموي.
