إقليم تازة: دعوة إلى إعادة الاعتبار للإعلام المحلي كشريك في التنمية ومرآة لانشغالات المواطنين

متابعة : عبلة بن عبو

لم يعد الحديث عن واقع الإعلام بإقليم تازة مجرد نقاش مهني يهم الصحافيين والإعلاميين وحدهم، بل أصبح قضية تنموية وحقوقية ترتبط بشكل مباشر بحق المواطنين في الوصول إلى المعلومة، وحق الساكنة في إعلام مهني مستقل ينقل انشغالاتها الحقيقية ويواكب قضاياها الاجتماعية والاقتصادية والتنموية، فالإعلام المحلي ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار والأنشطة الرسمية، بل هو سلطة مجتمعية ورقابية تساهم في كشف الاختلالات، وتعزيز الشفافية، وترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويعيش المشهد الإعلامي بإقليم تازة اليوم وضعاً معقداً تتداخل فيه الإكراهات الاقتصادية مع التحديات المهنية، في ظل أزمة حقيقية تتعلق بضعف التمويل وغياب موارد قارة تضمن استمرارية المقاولات الإعلامية المحلية، فضلاً عن الخلافات التي تشهدها الساحة الإعلامية بين بعض الفاعلين، والتي أضحت تستنزف الجهود وتبعد النقاش عن القضايا الجوهرية التي تهم الساكنة.

وتبرز أزمة التمويل كواحدة من أخطر الإشكالات التي تواجه الإعلام المحلي بالإقليم، حيث تعاني العديد من المقاولات والمنابر الإعلامية من غياب شبه تام للدعم والإشهار المؤسساتي والعمومي، مقارنة بما تستفيد منه مؤسسات إعلامية في مدن كبرى كالعاصمة الرباط والدار البيضاء وطنجة وغيرها، ويطرح هذا الوضع تساؤلات مشروعة حول العدالة المجالية في توزيع فرص الدعم والإشهار، وحول مستقبل إعلام محلي يشتغل في ظروف صعبة وسط إقليم يعاني بدوره من تحديات تنموية واجتماعية متراكمة.

فالصحافي والإعلامي المحلي يجد نفسه مطالباً بشكل يومي بتغطية أنشطة رسمية ومشاريع تنموية ولقاءات وندوات ومناسبات مختلفة، ويتحمل تكاليف التنقل والتصوير والتحرير والتوثيق والنشر، ويقتطع من وقته المخصص لأسرته وعمله وحياته الخاصة، دون أن يحصل في كثير من الأحيان على أي تعويض مهني أو دعم يمكنه من الاستمرار في أداء رسالته، وهو واقع يثير نقاشاً مشروعاً حول قيمة العمل الإعلامي ومكانة الصحافي داخل المنظومة المؤسساتية والمجتمعية.

وتؤكد المقاربة المهنية أن المقاولة الإعلامية ليست جمعية خيرية، بل مؤسسة تقدم خدمة إعلامية ومجتمعية تتطلب موارد بشرية وتقنية ومصاريف تشغيلية مستمرة. ومن هذا المنطلق، فإن التعويض عن التغطيات الإعلامية المؤسساتية في إطار قانوني شفاف وواضح لا يتعارض مع أخلاقيات المهنة، بل يساهم في حماية استقلالية الإعلام وضمان استمراريته، كما أن العديد من التجارب الدولية تعتمد آليات قانونية تقوم على طلب خدمات إعلامية من مؤسسات متخصصة مقابل فواتير وعقود واضحة تحفظ حقوق جميع الأطراف.

وفي المقابل، فإن استمرار ثقافة التغطية المجانية بشكل دائم ينعكس سلباً على قيمة العمل الإعلامي، ويجعل الصحافي في موقع هش داخل معادلة التواصل المؤسساتي، فالإعلام الذي لا يتوفر على موارد مالية كافية يصبح أكثر عرضة للاستغلال ، بينما تظل الاستقلالية الحقيقية رهينة بوجود تمويل قانوني وشفاف يضمن حرية الخط التحريري بعيداً عن أي ضغوط أو تأثيرات محتملة.

وتزداد هذه الإشكالية تعقيداً عندما يجد بعض الإعلاميين أنفسهم أمام معادلة صعبة بين الحاجة إلى التمويل والحفاظ على الاستقلالية المهنية، فكلما غابت آليات الدعم القانونية والشفافة، ازدادت المخاوف من تحول بعض أشكال الدعم غير المؤطرة إلى وسائل للتأثير على الخط التحريري أو الحد من قدرة الإعلام على مناقشة القضايا الحساسة والاختلالات المرتبطة بتدبير الشأن العام.

وفي سياق متصل، يرى عدد من المتابعين والفاعلين المدنيين أن الخلافات المتكررة بين بعض الصحافيين والإعلاميين بالإقليم أصبحت تشكل أحد أبرز معيقات تطوير المشهد الإعلامي المحلي، حيث تحولت في بعض الأحيان من اختلافات مهنية طبيعية إلى سجالات شخصية تستنزف الجهد والوقت، وتؤدي إلى تشتيت الانتباه عن الملفات الحقيقية التي تستحق النقاش والمعالجة وهذا يغيب مجموعة من الاختلالات التي يعيشها الإقليم دون التطرق اليها من طرف الصحفيين .

وتؤكد المقاربة الحقوقية أن الاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للمساس بالكرامة الإنسانية أو التشهير أو تصفية الحسابات الشخصية، لأن الإعلام المهني يقوم على احترام أخلاقيات المهنة وقواعد الحوار المسؤول، وعلى التنافس في جودة المحتوى وخدمة الصالح العام، لا على الصراعات الجانبية التي لا يستفيد منها سوى خصوم الإعلام المستقل وكل من لا يرغب في فتح النقاش حول القضايا الحقيقية للمواطنين.

وفي المقابل، فإن المتضرر الأكبر من هذه الخلافات يظل هو المواطن، الذي ينتظر من الإعلام أن ينقل همومه اليومية، وأن يسلط الضوء على الملفات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية التي تؤثر على حياته ومستقبله فإقليم تازة، ، يواجه تحديات متعددة تتعلق بالفقر والهشاشة والبطالة وضعف الاستثمار وغياب مشاريع مدرة للدخل في عدد من المناطق، فضلاً عن الإكراهات المرتبطة بالتعليم والصحة والبنيات التحتية والنقل المدرسي والهدر المدرسي والعزلة التي تعاني منها العديد من الدواوير والمناطق القروية.

كما تعرف بعض المناطق بالإقليم أوضاعاً اجتماعية صعبة ، وهو ما يفرض على الإعلام مواكبة هذه القضايا بمهنية ومسؤولية، عبر تسليط الضوء على أسبابها البنيوية وفتح النقاش حول سبل معالجتها وتعزيز خدمات .

وتؤكد فعاليات مدنية وحقوقية أن التنمية المحلية لا يمكن أن تنجح دون إعلام قوي ومستقل ومهني، قادر على القيام بوظائفه الرقابية والتنويرية والتواصلية، باعتباره شريكاً أساسياً في التنمية وليس مجرد ناقل للأخبار والبلاغات.

كما يبرز مطلب بلورة استراتيجية إعلامية ترابية تجعل من الإعلام شريكاً فعلياً في التنمية المحلية، من خلال تعزيز التواصل المؤسساتي، وتيسير الولوج إلى المعطيات العمومية، وإشراك المنابر الإعلامية في مواكبة وتتبع المشاريع التنموية الكبرى التي يعرفها الإقليم، بما يساهم في تعزيز الشفافية وجودة التواصل العمومي وتسويق مؤهلات تازة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياحية.

وفي وقت يواجه فيه الصحافي والإعلامي المحلي إكراهات مالية ومهنية خانقة. فمن غير المنطقي مطالبة الصحافي بالنزول إلى الميدان، وتتبع الملفات المعقدة، وإنجاز التحقيقات والتقارير المعمقة، ومواكبة قضايا الساكنة في المدن والقرى والمناطق النائية، دون توفير الحد الأدنى من الإمكانيات التي تضمن له أداء مهامه في ظروف مهنية لائقة. فالصحافة الجادة تحتاج إلى موارد للتنقل والتوثيق والتصوير والتواصل والإنتاج، كما تحتاج إلى بيئة اقتصادية سليمة تحمي استقلاليتها وتبعدها عن كل أشكال التبعية والضغوط.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى فتح نقاش مؤسساتي جاد حول سبل دعم الإعلام المحلي بإقليم تازة وفق آليات قانونية وشفافة تضمن الاستقلالية الكاملة للخط التحريري وتحافظ على حق المجتمع في إعلام حر ومسؤول. كما يظل من المشروع التفكير في إيجاد صيغ واضحة لتعويض المقاولات الإعلامية والصحافيين عن التغطيات الميدانية المرتبطة بالأنشطة والمؤسسات العمومية والمصالح الخارجية، في إطار من الشفافية وتكافؤ الفرص واحترام القوانين الجاري بها العمل. فدعم الإعلام لا يعني شراء المواقف أو صناعة التطبيل، بل يعني الاستثمار في الحق في المعلومة، وفي إعلام مهني قادر على مواكبة التنمية وكشف الاختلالات ونقل صوت المواطنين بموضوعية واستقلالية. لذلك فإن الرهان اليوم لا يقتصر على مطالبة الإعلام بتجويد أدائه، بل يقتضي أيضاً توفير الشروط المادية والمؤسساتية التي تمكنه من القيام برسالته كاملة، لأن إعلاماً بلا إمكانيات هو إعلام عاجز عن أداء أدواره التنموية والرقابية كما ينبغي.