بين قدسية الرسالة الجامعية وثقل الاتهام الجنائي… قضية تثير أكثر من سؤال

متابعة

أدرجت المحكمة الابتدائية بفاس ملفًا جنحيًا يتعلق بجنحة الضرب والجرح خلال جلسة 7 يوليوز 2026، غير أن المحكمة قررت تأجيل النظر فيه إلى جلسة 21 يوليوز 2026، وذلك من أجل استدعاء الشهود عن طريق النيابة العامة، في خطوة تعكس حرص الهيئة القضائية على استكمال وسائل الإثبات وتمكينها من الوقوف على جميع ملابسات القضية قبل البت فيها.

وتفيد معطيات الملف بأن إحدى المتهمات، “ش ع”، استفادت من السراح المؤقت مقابل كفالة مالية قدرها خمسة آلاف درهم، في حين رفضت المحكمة طلب السراح المؤقت المقدم لفائدة “س ت”، و”ح ت”، وقررت إبقاءهما رهن الاعتقال الاحتياطي، وهو ما يعكس أن المحكمة ارتأت استمرار التدبير الاحترازي في حقهما إلى حين مواصلة النظر في القضية.

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الملف هو ورود اسم الأستاذة “س ت” ضمن المتابعات، وهي أستاذة جامعية بكلية العلوم الاقتصادية والتدبير بفاس، وعضوة بإحدى النقابات. فهذه المكانة الأكاديمية والعلمية تجعل من صاحبها، في نظر المجتمع، قدوة يفترض أن تجسد قيم الحوار وضبط النفس واحترام القانون، وأن تسهم في ترسيخ ثقافة السلوك المدني داخل الجامعة وخارجها.

وبحسب محاضر البحث التمهيدي، فإن المشتكي عادل العرقوبي وجه اتهامات مباشرة إلى الأستاذة الجامعية “س ت”، معتبراً أنها كانت ضمن الأشخاص الذين شاركوا في الاعتداء عليه إلى جانب شقيقاتها، وأن الاعتداء تمثل، وفق روايته، في الدفع والركل والرفس، مما أدى إلى سقوطه أرضًا وإصابته إصابة خطيرة. وفي المقابل، تنفي “س ت” الأستاذة الجامعية هذه الاتهامات، وتؤكد في تصريحاتها أنها حضرت بعد بداية النزاع، وأنها لم تشارك في أي اعتداء جسدي، وأنها وجدت المشتكي بعد وقوع الأحداث، وهو ما يجعل الفصل في مدى صحة هذه الروايات منوطًا بالمحكمة بعد مناقشة الأدلة وسماع الشهود.

ومن أبرز عناصر الملف الشهادة الطبية المدلى بها من طرف المشتكي، والتي تثبت تعرضه، وفق ما ورد فيها، إلى كسر مفصلي كامل على مستوى أعلى عظمة الساق اليمنى، استوجب تدخلاً جراحيًا وتثبيتًا بصفائح معدنية، مع تحديد مدة العجز المؤقت في ستين يومًا ما لم تحصل مضاعفات. وتؤكد هذه الوثيقة وجود إصابة جسدية خطيرة، غير أن تحديد المسؤول عن إحداثها، ومدى مساهمة كل متهمة فيها، يبقى من المسائل التي ستفصل فيها المحكمة بناءً على مجموع الأدلة المعروضة عليها.

كما تكشف محاضر البحث عن وجود تباين بين تصريحات الأطراف، سواء فيما يتعلق ببداية النزاع أو بكيفية سقوط المشتكي أو بالدور المنسوب إلى كل واحدة من المتهمات، وهو ما يفسر قرار المحكمة باستدعاء الشهود عن طريق النيابة العامة، باعتبار شهاداتهم قد تساعد على توضيح الوقائع وحسم أوجه التعارض بين الروايات المختلفة.

وتتداول في محيط هذه القضية معطيات تزعم وجود محاولات للتأثير على مجريات الملف أو اللجوء إلى وساطات، إلا أن هذه الادعاءات، ما لم تثبت قانونًا أمام القضاء، تبقى مجرد مزاعم لا يمكن الجزم بها أو ترتيب آثار قانونية عليها، احترامًا لقرينة البراءة ولمقتضيات المحاكمة العادلة.

وفي انتظار ما ستسفر عنه جلسة 21 يوليوز 2026، يبقى هذا الملف مناسبة لطرح سؤال أعمق يتجاوز حدود هذه القضية: ما حجم المسؤولية الأخلاقية الملقاة على عاتق الأستاذ الجامعي؟ فالأستاذ ليس مجرد موظف يؤدي مهمة التدريس، بل هو قدوة تربوية وباحث علمي وصانع للنخب. ومن ثم، فإن مجرد وجود أستاذ جامعي، وفاعل نقابي، في قلب ملف يتضمن اتهامات بالضرب والجرح، يثير نقاشًا مشروعًا حول صورة الجامعة ورسالتها في المجتمع. غير أن الفصل النهائي في الوقائع والمسؤوليات يبقى من اختصاص القضاء وحده، الذي يظل الجهة الوحيدة المخولة بتقدير الأدلة وإصدار الأحكام، في إطار احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.