استنفار محكم وتدبير استباقي ناجع بإقليم تازة: من مواجهة الفيضانات إلى ورش إصلاح البنية التحتية

تازة : توفيق الكنبور  

في سياق تنزيل التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة محمد السادس نصره الله وأيده، الرامية إلى حماية المواطنين وصون ممتلكاتهم خلال فترات التقلبات المناخية، شهد إقليم تازة تعبئة ميدانية غير مسبوقة لمواجهة موجة الأمطار الغزيرة والفيضانات التي عرفها مطلع شهر فبراير 2026، وقد برزت اللجنة الإقليمية لليقظة والتتبع كنموذج عملي في التدبير الاستباقي للأزمات، من خلال جاهزية تنظيمية محكمة وتدخلات ميدانية سريعة وفعالة.

ومنذ الاجتماع الأول للجنة الإقليمية لليقظة بتاريخ 17 دجنبر 2025 برئاسة السيد رشيد بنشيخي، عامل الإقليم، تم اعتماد مقاربة استباقية قائمة على التشخيص الدقيق للمناطق الهشة، وتحيين المعطيات المتعلقة بالدواوير والمقاطع الطرقية المهددة بالانقطاع، وتحديد الموارد البشرية واللوجستيكية القابلة للتعبئة الفورية، مع تعزيز التنسيق بين مختلف المصالح الأمنية والعسكرية والتقنية والصحية.

هذه المنهجية لم تبق حبيسة الوثائق، بل تحولت إلى خطة عملية جاهزة للتفعيل، وهو ما تجلى بوضوح عند ارتفاع منسوب المياه بقنطرة واد الأربعاء وتسرب المياه إلى عدد من المنازل بحي الملحة يوم 03 فبراير 2026.

وفور تسجيل الخطر، انتقلت السلطة الإقليمية إلى عين المكان، وتم عقد اجتماع أمني ميداني لتنسيق التدخلات، مع تعبئة الجرافات لإزالة العوائق، ووضع سيارات الإسعاف والقوارب المطاطية في حالة تأهب، وتسخير حافلات لنقل الأسر عند الضرورة، إلى جانب تجهيز مراكز الإيواء بالأسرّة والأغطية والتغذية.

وقد تمت عملية إخلاء الأسر المتضررة في ظروف منظمة، دون تسجيل أية خسائر بشرية، وهي النتيجة الأهم في مثل هذه الحالات، كما عملت الفرق التقنية على إصلاح أعطاب شبكات الماء والكهرباء وضمان استمرارية الخدمات الأساسية في أسرع الآجال.

الحصيلة المؤقتة للفترة الممتدة من 03 إلى 09 فبراير 2026 سجلت إخلاء 135 أسرة (539 فرداً)، منها 20 أسرة تم إيواؤها بمراكز الاستقبال، فيما فضلت 115 أسرة الإقامة لدى أقاربها، مع تسجيل صفر خسائر بشرية، وهو ما يعكس فعالية التنسيق وحسن تدبير الأزمة.

ولم يقتصر التدخل على الجانب التقني، بل ارتكز أيضاً على بعد إنساني واضح، تمثل في توفير الإيواء الكريم، وتقديم الدعم الاجتماعي والنفسي، وإجراء فحوصات طبية وتوزيع الأدوية، والتكفل بالنساء الحوامل ومرضى الأمراض المزمنة، فضلاً عن إيواء الأشخاص بدون مأوى، وقد أبانت الساكنة بدورها عن وعي كبير وتعاون إيجابي مع السلطات، ما ساهم في إنجاح عمليات الإخلاء وضمان سلامة الجميع.

غير أن القراءة المتأنية لما وقع تفرض اعتبار هذه الفيضانات محطة تقييم ومراجعة، لا مجرد حدث عابر، فالتدبير الجيد للأزمة لا يعفي من ضرورة معالجة الأسباب البنيوية التي تجعل بعض المناطق عرضة للمخاطر.

ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى إطلاق تشخيص شامل ودقيق لوضعية البنية التحتية بالإقليم، يشمل الطرق والمنشآت الفنية، وشبكات تصريف مياه الأمطار، وجودة الأشغال المنجزة سابقاً، ومدى احترام معايير البناء في المناطق القريبة من المجاري المائية.

إن المرحلة الحالية ينبغي أن تشكل انطلاقة لورش طموح يهدف إلى تشييد منشآت فنية ذات جودة عالية تراعي الخصوصيات المناخية والتضاريسية للإقليم، وتعزيز أنظمة تصريف المياه، وتقوية المقاطع الطرقية الهشة، مع إدماج معايير التغيرات المناخية في التخطيط العمراني، والقطع مع المشاريع الضعيفة أو التي تفتقر إلى الجودة المطلوبة.

كما أن ضمان بنية تحتية متينة يقتضي تشديد الرقابة التقنية على الأوراش، واعتماد معايير صارمة في الإنجاز، وربط المسؤولية بالمحاسبة عند تسجيل أي تقصير. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى على مشاريع مؤقتة أو حلول ترقيعية، بل على رؤية بعيدة المدى تجعل من سلامة المواطنين أولوية مطلقة.

الاستثمار في الوقاية أقل كلفة من معالجة آثار الكوارث، وكل منشأة متينة تُنجز وفق معايير الجودة، هي درع إضافي يحمي الأرواح والممتلكات في مواجهة تقلبات الطبيعة.

وفي هذا الإطار، فإن إحداث لجان اليقظة على مستوى الأقاليم يُعد فكرة استراتيجية متقدمة، جاءت بتعليمات ملكية سامية، وتعكس رؤية استباقية متزنة تضع حماية المواطنين في صدارة الأولويات، لقد أثبتت هذه التجربة نجاعتها، بل يمكن اعتبارها نموذجاً متقدماً في تدبير المخاطر، يضاهي تجارب دول سبقت في هذا المجال. فهي ليست مجرد آلية ظرفية، بل منظومة متكاملة لحماية الأرواح والممتلكات، وتنسيق الجهود، وتسريع الاستجابة، وتقليص الخسائر.

غير أن نجاح الفكرة لا يعني الاكتفاء بها في صورتها الحالية، بل يقتضي تطويرها أكثر، عبر تعزيز الوسائل التقنية، وتحديث خرائط المخاطر، وتوسيع نطاق التكوين والتأطير، وإدماج التكنولوجيا الحديثة في الرصد والإنذار المبكر، حتى تصبح هذه اللجان أكثر فاعلية واستباقية.

لقد أبانت لجنة اليقظة بإقليم تازة عن جاهزية عالية وتدخل سريع مكّن من تدبير الفيضانات الأخيرة بأقل الأضرار، وحماية أرواح المواطنين في ظرفية صعبة. غير أن التحدي الأكبر اليوم هو تحويل هذه التجربة إلى منطلق لإصلاح أعمق للبنية التحتية، وترسيخ ثقافة استباقية دائمة تقوم على الجودة، والرقابة، والمحاسبة.

إنها لحظة مفصلية تضع الجميع أمام اختبار حقيقي للمسؤولية، حيث لم يعد مقبولاً الاكتفاء بتدبير الأزمات عند وقوعها، بل بات ضرورياً الانتقال إلى بناء منظومة وقائية صلبة تُحصّن الإقليم من تكرار المخاطر وتُعزز مناعته التنموية، فحماية الأرواح ليست خياراً ظرفياً، بل التزام دائم، والتنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم الأوراش فحسب، بل بمدى صمودها أمام تقلبات الطبيعة، وبقدرتها على صون كرامة الإنسان في كل الظروف.