احمد الزينبي
دردشة مع عبد العزيز العبودي تكشف واقع الحرفيين بالعاصمة العلمية
في أزقة المدينة القديمة بفاس، حيث تختلط رائحة الجلد المصقول بصوت المطارق وهي تداعب النحاس والخشب، التقينا بالصانع التقليدي عبد العزيز العبودي، أحد الوجوه المخضرمة في عالم الصناعة التقليدية بالعاصمة العلمية، رجل تجاوز أزيد من 55 سنة في هذه الحرفة، بدأ مساره سنة 1967 على يد المعلم سيدي أحمد الوكيلي، ليكون شاهداً على زمن ازدهار الحرفة وزمن انكسارها.
عبد العزيز العبودي، الأب لثلاثة أبناء، لا يخفي مرارة الواقع الذي يعيشه الصانع التقليدي اليوم. يقول بأسى: “الصانع التقليدي يعاني ويكابد الزمن القاسي دون التفاتة حقيقية من الجهات الوصية، كنا في الماضي نشتغل بكرامة، واليوم نصارع من أجل البقاء.”
يؤكد العبودي أن الحرفي التقليدي أصبح يعيش وضعاً اجتماعياً واقتصادياً صعباً، في ظل ارتفاع تكاليف المواد الأولية، وضعف الإقبال، وغياب دعم مباشر ومستدام فالحرفة التي كانت تضمن العيش الكريم أصبحت بالكاد توفر الحد الأدنى من المتطلبات، مما يدفع العديد من الشباب إلى العزوف عنها، مفضلين البحث عن فرص عمل أخرى أكثر استقراراً.
ويضيف: “هذه الصناعة إذا استمر الوضع على ما هو عليه، ستنقرض في المستقبل، لا يمكن أن نحافظ على التراث بالكلام فقط، بل بالدعم الحقيقي للصانع التقليدي.”
ومن بين النقاط التي أثارها العبودي بمرارة، قضية المعارض التي تُنظم داخل المدينة وخارجها تحت شعار دعم الصناعة التقليدية فبحسبه، غالباً ما يكون الصانع الحقيقي غائباً عن هذه التظاهرات، بينما تُعرض منتجاته دون أن يُمنح فرصة الحضور أو الاستفادة المباشرة.
ويصرح قائلاً: “المعارض تُقام باسم الصناعة التقليدية، لكن الصانع الذي يسهر الليالي في إنجاز القطع لا يُرى في المشهد، ولا يحظى بالاهتمام الكافي، كيف يمكن دعم الحرفة دون دعم صانعها؟“
هذا الغياب لا يقتصر على التمثيلية فقط، بل يمتد إلى ضعف الاستفادة المادية والمعنوية، حيث تظل الفوائد محدودة ولا تعكس حجم المجهود المبذول في إنجاز المنتوج التقليدي الأصيل.
الصناعة التقليدية بفاس ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل هي هوية وتاريخ وذاكرة مدينة عريقة من الزليج إلى الجلد والنحاس والخشب المنقوش، كل قطعة تحكي قصة أجيال من المعلمين والصناع الذين حافظوا على هذا الإرث عبر القرون.
ويرى العبودي أن الحفاظ على هذه الحرفة الرائعة يقتضي رؤية استراتيجية حقيقية، تبدأ بتحسين الوضعية الاجتماعية للصانع، وضمان التغطية الصحية والتقاعد، وتوفير فضاءات عرض وتسويق عادلة وشفافة، وصولاً إلى تشجيع الشباب على التكوين والتدرج المهني.
في ختام حديثه، وجه عبد العزيز العبودي رسالة واضحة إلى الجهات المعنية: “نطالب بالاهتمام بالصانع التقليدي قبل فوات الأوان، إذا ضاع الصانع، ضاعت الحرفة، وإذا ضاعت الحرفة، ضاع جزء من هوية فاس والمغرب.”
إن صرخة هذا الصانع المخضرم ليست سوى نموذج لمعاناة فئة واسعة من الحرفيين الذين يقفون اليوم عند مفترق طرق بين الاستمرار أو الانسحاب، فهل تتحرك الجهات الوصية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ أم أن الصناعة التقليدية، التي طالما كانت مفخرة المغرب، ستبقى تصارع بصمت في أزقة المدن العتيقة؟
يبقى الأمل معقوداً على إرادة حقيقية تعيد الاعتبار للصانع التقليدي، وتضعه في صلب أي استراتيجية للنهوض بالقطاع، حفاظاً على تراث لا يقدّر بثمن.
