متابعة : احمد الزينبي
كشفت التساقطات المطرية الأخيرة، التي يُفترض أن تكون نعمة وخيرًا على البلاد والعباد، عن واقع مقلق تعيشه البنية التحتية بإقليم تازة، حيث عرّت بشكل واضح هشاشة عدد كبير من المشاريع العمومية التي أُنجزت خلال السنوات الأخيرة، وطرحت أكثر من علامة استفهام حول جودة الإنجاز، واحترام دفاتر التحملات، ومسؤولية المتدخلين في مختلف مراحل التخطيط والتنفيذ والمراقبة.
لقد تسببت أمطار عادية، لا ترقى إلى مستوى الكوارث الطبيعية، في انهيار طرق حديثة العهد بالإنجاز، وانجراف قناطر، وعزل دواوير بأكملها، وهو ما يؤكد أن الخلل ليس في الطبيعة، بل في مقاربة الغش والاستخفاف التي وسمت عدداً من هذه المشاريع، مشاريع سُلّمت على الورق باعتبارها مطابقة للمعايير، لكنها سقطت عند أول اختبار حقيقي.
إن ما يقع اليوم بإقليم تازة لا يمكن عزوه إلى طرف واحد فقط، بل تتحمل مسؤوليته شبكة من المتدخلين، منتخبون فشلوا في أداء أدوارهم الرقابية والأخلاقية، تقنيون ومكاتب الدراسات لم يقوموا بواجبهم المهني كما ينبغي، مقاولون معروفون يتكرر حضورهم في الصفقات العمومية، يستفيدون منها دون منافسة حقيقية، ويُنجزون مشاريع تفتقد لأبسط شروط الجودة.
ويزيد من خطورة الوضع الغياب شبه التام للرقابة المالية والتقنية، سواء أثناء الإنجاز أو بعد التسليم، ما شجّع على الإفلات من المحاسبة، ورسّخ ثقافة “المشاريع السريعة” بدل “المشاريع المتقنة”.
الساكنة المحلية ليست غافلة عمّا يجري، فالمواطن في تازة يعرف تفاصيل هذه المشاريع، ويُميّز بين الإنجاز الحقيقي والإنجاز المغشوش، ويُدرك من المستفيد ومن المتضرر، لذلك لم يعد من الممكن تبرير ما يحدث بالأعذار الجاهزة، لأن الواقع أصبح مكشوفًا أمام الجميع، ورائحة الفشل والفساد فاحت ولم تعد قابلة للإخفاء.
وأمام هذا الوضع، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق السيد رشيد بنشيخي عامل إقليم تازة من أجل تفعيل المساطر القانونية، وفتح تحقيقات جدية في كل المشاريع التي ثبت فشلها أو انهيارها، وربط المسؤولية بالمحاسبة دون تمييز أو حماية لأي طرف كان.
كما أن الأمر يستدعي تدخلاً واضحًا من وزارة الداخلية لإعادة النظر في تدبير الشأن المحلي بالإقليم، وتقييم أداء المنتخبين، ومراجعة الخريطة السياسية، بما يضمن تخليق الحياة العامة، ووضع حد لممارسات نرجسية وانتهازية أضرت بمصالح المواطنين وبصورة العمل السياسي.
إن تنمية إقليم تازة لا يمكن أن تقوم على مشاريع مغشوشة وبنية تحتية هشة، بل تحتاج إلى إرادة سياسية صادقة، ومقاولين نزهاء، ومراقبة صارمة، واحترام حقيقي لدفاتر التحملات ، فاسترجاع ثقة المواطن التازي لن يتحقق بالشعارات، بل بالمحاسبة والشفافية والعدالة.
لقد حان وقت الحساب، ليس بدافع الانتقام أو تصفية الحسابات السياسية، بل باعتباره واجبًا دستوريًا وأخلاقيًا يفرضه مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام من الهدر والنهب المقنّع تحت غطاء التنمية، إن الحق في بنية تحتية سليمة وآمنة ليس امتيازًا تمنحه السلطة او المنتخب ، بل حق أساسي من حقوق المواطنة، وأي تهاون في ضمانه يُعدّ انتهاكًا صريحًا لحقوق الساكنة في السلامة والكرامة والعدالة المجالية ، وعليه فإن فتح تحقيقات مستقلة، وترتيب الجزاءات القانونية في حق كل المتورطين، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم، يشكل المدخل الحقيقي لاسترجاع ثقة المواطنين، وإعادة الاعتبار للمؤسسات، ووضع حد لثقافة الإفلات من العقاب التي أفرغت التنمية من مضمونها وحوّلتها إلى وسيلة للإثراء غير المشروع.
