فضيحة تهز الضمير الإنساني بجماعة المعازيز: موتى بلا كرامة وتنمية غائبة حتى في الممات

متابعة : خالد الزهواني

شهدت جماعة المعازيز بإقليم الخميسات، خلال الأيام الأخيرة، مشاهد صادمة ومهينة تم تداولها على نطاق واسع عبر مقاطع فيديو، تكشف عن حجم التهميش والإقصاء الذي تعانيه ساكنة الدواوير المعزولة، في واقعة وصفتها فعاليات حقوقية بـ”الفضيحة من العيار الثقيل” التي تمس كرامة الإنسان المغربي في أبسط حقوقه، وهو حق الدفن اللائق.

ففي ظل التساقطات المطرية التي عرفتها المنطقة الأسبوع المنصرم، وثّقت مقاطع مصورة نقل سيدة متوفاة على متن آلة فلاحية (تراكتور)، رفقة مجموعة من المواطنين، في طريقهم إلى المقبرة عبر طريق قروية مهترئة ومليئة بالأوحال، تؤدي إلى دوار أسوسين آيت بوشليفن بجماعة المعازيز، طريق تحولت بفعل الإهمال وغياب الصيانة إلى مسلك شبه منعدم، عزل الساكنة وعرّضهم لمشقة ومعاناة لا إنسانية.

وحسب المعطيات التي توصلت بها الجمعية المغربية للكرامة وحقوق الإنسان وحماية المال العام بالمغرب، فإن التراكتور اضطر إلى التوقف بسبب الأوحال الكثيفة، ليُجبر المواطنون على حمل الجثمان على الأكتاف تحت زخات المطر، وسط ظروف قاسية ومهينة ، ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد، بل تم لاحقًا إحضار “كروسة” تجرها دابة (حمار) لإكمال الطريق نحو المقبرة، في مشهد مخزيٍ يسيء إلى كرامة الإنسان المغربي، وإلى صورة الوطن برمته.

إن ما وقع ليس حادثًا معزولًا، بل نتيجة مباشرة لغياب تام للمسؤولين والمنتخبين، ولفشل واضح في توفير الحد الأدنى من البنيات التحتية، وعلى رأسها الطرق القروية، وغياب سيارة مخصصة لنقل الأموات بالجماعة ، وهو ما يؤكد أن الساكنة لم تستفد من التنمية لا في حياتها ولا حتى بعد مماتها.

هذا المشهد المؤلم يطرح علامات استفهام كبرى حول مصير المشاريع التي رُصدت لها ميزانيات باسم التنمية القروية، وحول أسباب تعثر أو تعطل عدد من المشاريع التي قيل إنها أنجزت، في وقت ما تزال فيه دواوير كاملة تعيش في عزلة تامة، محرومة من أبسط شروط العيش الكريم.

وتؤكد الجمعية المغربية للكرامة وحقوق الإنسان  وحماية المال العام أنها تتابع عن كثب هذه المحنة التي تعيشها الساكنة المتضررة من الطرق المهترئة والعزلة القاتلة بعدد من دواوير جماعة المعازيز، وتحمّل المسؤولية الكاملة لكل المجالس المنتخبة التي تعاقبت على تسيير الجماعة خلال السنوات الأخيرة.

كما تطالب الجمعية السيد عامل إقليم الخميسات بالتدخل العاجل، وفتح تحقيق شامل وجدي حول أسباب تدهور البنية التحتية بالجماعة، ومصير الأموال المرصودة للمشاريع التنموية بالإضافة الى  تعثر أو فشل عدد من المشاريع المنجزة أو المعلنة ومسؤولية المنتخبين وناهبي المال العام في تعطيل التنمية الحقيقية.

إن ما حدث بجماعة المعازيز عارٌ لا يمكن السكوت عنه، وجرس إنذار حقيقي حول وضعية العالم القروي، حيث ما تزال الكرامة الإنسانية تُنتهك في صمت، في غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن ما وقع بجماعة المعازيز بإقليم الخميسات ليس مجرد حادث عرضي فرضته الأمطار أو وعورة التضاريس، بل هو جريمة إهمال مكتملة الأركان، ووصمة عار في جبين كل مسؤول ومنتخب صمت أو تواطأ أو استهان بكرامة المواطنين. أن تُنقل امرأة متوفاة على جرار فلاحي، ثم على الأكتاف وسط الأوحال وتحت وابل الأمطار، قبل أن تُستكمل رحلة الدفن في “كروسة” تجرها دابة، فذلك ليس قدرًا ولا قضاءً، بل نتيجة مباشرة لسياسات فاشلة، وميزانيات نُهبت، ومشاريع وُقعت على الورق فقط، بينما تُرك الإنسان القروي يواجه الموت والحياة بلا طرق، بلا نقل، وبلا أدنى احترام لآدميته ، إن هذه الصور الصادمة تختصر حقيقة “التنمية” التي يتغنى بها المسؤولون في الخطب والبلاغات، وتفضح زيف الشعارات وتكشف الهوة السحيقة بين الخطاب الرسمي والواقع المرير الذي تعيشه ساكنة الدواوير المعزولة ، وعليه فإن السكوت عن هذه الفضيحة يعد مشاركة غير مباشرة فيها، وإن عدم فتح تحقيق عاجل وجدي وربط المسؤولية بالمحاسبة، سيُفهم كرسالة واضحة بأن كرامة المواطن القروي لا وزن لها، وأن المال العام مستباح، وأن أرواح الناس لا تحرك ضمير من وُضعوا في مواقع القرار، إن كرامة الإنسان لا تتجزأ، ومن عجز عن تأمين طريق صالحة أو سيارة لنقل الأموات، فهو عاجز أخلاقيًا وسياسيًا عن تحمل أي مسؤولية، وعلى الجهات الوصية أن تتحمل كامل مسؤوليتها التاريخية قبل أن تتحول جماعة المعازيز إلى رمز وطني للفشل والتهميش، وقبل أن تتكرر هذه المآسي التي تسيء إلى الوطن وتضرب في الصميم ثقة المواطنين في الدولة ومؤسساتها.