تاونات: صمود المواطن والإرادة الوطنية في مواجهة السيول والتقلبات المناخية

احمد الزينبي

في إقليم تاونات، لا تُقاس قوة الدولة بعدد الاجتماعات ولا ببلاغات الاطمئنان، بل تُقاس بقدرتها على فك العزلة عن قرية غمرتها السيول، أو إنقاذ أسرة تهددها مياه وادٍ هائج، أو إعادة فتح طريق وطني يربط الناس بأرزاقهم وأحلامهم. وما تحقق  ليس مجرد أرقام في تقرير إداري، بل هو عنوان لمرحلة من اليقظة الجماعية والتعبئة الميدانية في مواجهة تقلبات مناخية باتت أكثر شراسة وأشد وقعا.

485 تدخلا لفك العزلة منذ بداية التساقطات الغزيرة رقم يستحق التوقف عنده. خلف هذا الرقم تقف جرافات تشتغل تحت المطر، وأطر وتقنيون يسابقون الزمن، وسلطات محلية تتابع أدق التفاصيل 35 مقطعا بالطريق الوطنية رقم 8، و86 مقطعا بالطرق الجهوية، و70 مقطعا بالطرق الإقليمية، إضافة إلى مئات التدخلات بالمسالك القروية إنها شبكة حياة أعيد نسجها خيطا خيطا، حتى لا يبقى مواطن واحد محاصرا بين الوحل والسيول.

الأهمية هنا لا تكمن فقط في إعادة فتح الطرق، بل في ما يترتب عنها: تمكين المواطنين من الولوج إلى الخدمات الصحية، وضمان تموين الأسواق، وتأمين تمدرس التلاميذ، واستمرار دورة الحياة في ظروف عادية رغم استثنائية المناخ. عندما تُزال الأحجار والأتربة من قارعة الطريق، فإن ما يُزال في الحقيقة هو القلق والخوف والإحساس بالعزلة.

غير أن التحدي الأكبر كان إنسانيا بالدرجة الأولى. 308 أسر، تضم 1161 فردا، وجدت نفسها مهددة بانهيار مساكنها أو غمرها بالمياه حسب تقرير لجنة اليقظة هنا تتجلى قيمة التدخل الاستباقي للجنة الإقليمية لليقظة، التي لم تنتظر وقوع الكارثة لتتحرك، بل واكبت الوضع لحظة بلحظة، وقدمت الدعم والمساندة قبل أن تتحول المخاطر إلى مآسٍ.

كما أن 115 تدخلا لإصلاح أعطاب شبكات الماء والكهرباء والتطهير يعكس وعيا بأن البنية التحتية ليست ترفا، بل هي شريان الحياة اليومية، وانقطاع الماء أو الكهرباء في ظروف مناخية قاسية قد يحول المعاناة إلى أزمة حقيقية، لذلك فإن سرعة الإصلاح كانت عاملا حاسما في احتواء الوضع.

الاجتماع المنعقد يوم 9 فبراير 2026، برئاسة عامل إقليم تاونات، لم يكن مجرد محطة تقييم، بل رسالة واضحة مفادها أن زمن التدبير الارتجالي قد ولى، وأن منطق العمل الاستباقي والتنسيق بين مختلف المتدخلين هو السبيل الوحيد لمواجهة التحولات المناخية المتسارعة، من سلطات محلية وأمنية، إلى مصالح التجهيز والنقل، والشركة الجهوية متعددة الخدمات لجهة فاس مكناس، والجماعات الترابية، بل وحتى المقاولات المواطنة إنها لوحة تضامن مؤسساتي نادر ما يبرز إلى الواجهة لكنه يصنع الفارق في الميدان.

وهنا لا بد من التأكيد على قيمة أخلاقية راسخة: من لا يشكر الناس لا يشكر الله. فالشكر واجب لكل يد امتدت بالعون، ولكل مسؤول سهر الليالي، ولكل عامل ميداني خاطر براحته من أجل سلامة المواطنين، ثقافة الاعتراف بالمجهود لا تقل أهمية عن المجهود نفسه، لأنها تعزز روح المسؤولية وتغذي الثقة بين المواطن ومؤسساته.

وعند إجراء مقارنة مع بعض الدول المجاورة في المنطقة المغاربية، نلاحظ أن التعامل مع الكوارث الطبيعية لم يكن دائما بالنجاعة المطلوبة، ففي حالات فيضانات شهدتها بعض المناطق في دول مثل الجزائر أو تونس خلال سنوات ماضية، كشفت التقارير عن هشاشة في البنية التحتية، وضعف في قنوات تصريف المياه، وتأخر في عمليات التدخل أحيانا، ما أدى إلى خسائر بشرية ومادية جسيمة، هذه المقارنة لا تُقصد بها المفاضلة أو التقليل من أحد، بل إبراز أن الاستعداد المسبق، والتنسيق المؤسساتي، والاستثمار في الوقاية، عوامل تصنع الفارق ساعة الشدة.

اليوم، وبعد هذه الأحداث، لم يعد كافيا أن نفتخر بحجم التدخلات، بل أصبح لزاما على المسؤولين الإقليميين وكل الشركاء أن يفكروا بجرأة في الغد، المطلوب ليس فقط تدبير الأزمات، بل صناعة حلول دائمة، المطلوب دراسات علمية دقيقة لتحديد النقاط السوداء المعرضة للفيضانات، وإعادة تصميم بعض المقاطع الطرقية وفق معايير هندسية حديثة تأخذ بعين الاعتبار تغير المناخ، وإحداث منشآت مائية وقنوات تصريف كافية، وتعزيز الجدران الواقية، وإعادة النظر في التوسع العمراني بالمناطق الهشة.

إن بناء بنية تحتية قوية اليوم لم يعد خيارا تنمويا عاديا، بل هو استثمار في الأمن المجالي والإنساني، يجب أن تقوم الطرق والقناطر والمنشآت المائية المقبلة على معايير صلابة واستدامة، وأن تُدمج مقاربة الوقاية من الفيضانات ضمن كل مشروع جديد، مع تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف برامج التشجير وحماية التربة للحد من انجرافها.

ما عاشته تاونات ينبغي أن يتحول إلى لحظة وعي جماعي: فالتغيرات المناخية واقع دائم، لا ظرف عابر ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي هو الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق التخطيط الاستباقي بعيد المدى، حيث تتكامل رؤية السلطات الإقليمية مع خبرة المهندسين، ودعم الدولة، وانخراط المجتمع المدني.

إن حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم ليست مجرد واجب إداري، بل التزام أخلاقي وسياسي ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ومع روح المخطط الوطني للحد من آثار موجات البرد والتقلبات المناخية.

تاونات اليوم تقدم درسا في أن اليقظة ليست شعارا، بل ممارسة يومية،  لكن الدرس الأعمق هو أن المستقبل يُبنى الآن، والطريق التي نعيد فتحها تحت المطر يجب أن تكون أيضا طريقا نحو تخطيط أكثر ذكاء، وبنية تحتية أكثر صلابة، ومغرب أكثر قدرة على تجاوز المحن وصناعة الأمل من قلب التحديات.